الأربعاء - 10 يونيو 2026

مواجهة التمدد الإسرائيلي وتأمين العراق من تداعيات ممر داود: استراتيجية واقعية..!

منذ سنة واحدة
الأربعاء - 10 يونيو 2026

إبراهيم الندّاف ||                  17/3/2025

مقدمة:
في خطوة تحمل انعكاسات استراتيجية عميقة على المشهد الإقليمي، وقع رئيس الحكومة السورية أحمد الشرع وقائد قوات سوريا الديمقراطية (قسد) مظلوم عبدي اتفاقًا يُعيد ترتيب موازين القوى في شمال وشرق سوريا، ويرسم معادلات جديدة في صراع النفوذ الإقليمي.

هذا الاتفاق ـ وكما أشرنا في المقال السابق ـ جاء في ظل إعادة تموضع القوى الفاعلة بعد سقوط نظام الأسد، و لم يكن مجرد صفقة سياسية داخلية، بل خطوة تتجاوز سوريا إلى أبعاد إقليمية، حيث أصبح من الواضح أن التنسيق بين دمشق الجديدة وقسد لا ينفصل عن المساعي الإسرائيلية – الأمريكية لإعادة تشكيل الخارطة الجيوسياسية، بما يخدم مشروع “ممر داود”.

وفي هذا السياق، يبرز العراق كأحد الأهداف المركزية لهذا المخطط، سواء من الناحية الجغرافية، حيث يشكل نقطة عبور حيوية للممر، أو من الناحية السياسية، حيث يُنظر إليه كمنصة يمكن استخدامها لمزيد من التدخلات الإسرائيلية والأمريكية في المنطقة. ومع وجود تنسيق محتمل بين أربيل وقسد وإسرائيل، فإن العراق قد يجد نفسه أمام واقع أمني جديد يفرض عليه إعادة النظر في حساباته الجيوسياسية لحماية مصالحه الوطنية وأمنه القومي.

فما هي التداعيات المحتملة لهذا الاتفاق على العراق؟ وكيف يمكن لبغداد أن تواجه هذا التمدد الإسرائيلي – الكردي، وتضمن عدم تحول أراضيها إلى امتداد للمشروع الذي تسعى تل أبيب لترسيخه في المنطقة؟ هذا ما سنناقشه في هذا المقال، في محاولة لفهم أبعاد الاتفاق بين الشرع وعبدي، ودوره في رسم مستقبل التوازنات الإقليمية، وخيارات العراق في مواجهة هذا التحدي المتصاعد.

أولاً: مخاطر التمدد الإسرائيلي عبر ممر داود وتأثيره على العراق

1. التوسع الإسرائيلي في شرق سوريا وارتباطه بأربيل
تسعى إسرائيل إلى بناء شراكة وثيقة مع قسد من أجل تأمين خط بري يمتد إلى إقليم كردستان العراق، بحيث يكون ممرًا اقتصاديًا وأمنيًا لها. و مع وجود حكومة كردية في أربيل تتبنى سياسات منفتحة على تل أبيب، فإن هذا الممر سيعزز من قدرة إسرائيل على التواجد المباشر داخل العراق، خصوصًا إذا نجحت في توظيف أربيل كمحطة لوجستية رئيسية لها.

2. الضغط على بغداد وإضعاف نفوذ الدولة العراقية
إذا نجحت إسرائيل في تأمين وجود شبه مباشر في غرب العراق بالتعاون مع قوات سوريا الديمقراطية، فإنها ستؤثر على موازين القوى داخل بغداد، مما قد يؤدي إلى إضعاف نفوذ الحكومة المركزية. كما أن التحركات الإسرائيلية عبر قسد ستمنح واشنطن ورقة ضغط إضافية على العراق، مما سيجبر بغداد على تقديم تنازلات سياسية وأمنية.
3. تقويض نفوذ المقاومة في المنطقة

من خلال السيطرة على الطريق البري بين سوريا والعراق، تستطيع إسرائيل قطع خطوط إمداد محور المقاومة إلى سوريا ولبنان، وكذلك إضعاف الحشد الشعبي والحدّ من قدرة طهران على دعم الشعوب المعارضة للتمدّد الصهيوني.

ثانيًا: كيف يمكن للعراق تحصين نفسه من هذه التهديدات؟

1. تعزيز الانتشار العسكري والاستخباراتي في المناطق الحدودية
يجب أن تتحرك بغداد لنشر قواتها على طول الحدود مع سوريا، خصوصًا في المناطق التي قد تشكل نقطة عبور للممر الإسرائيلي – الكردي. وكذلك زيادة التنسيق الاستخباراتي مع دمشق وطهران لمراقبة أي تحركات مشبوهة بين قسد وأربيل وإسرائيل، خاصة أن العديد من المعلومات الاستخبارية تشير إلى لقاءات سرية بين قيادات قسد ومسؤولين إسرائيليين في كردستان العراق.

2. إعادة ضبط العلاقة مع إقليم كردستان العراق
يجب على الحكومة العراقية فرض قيود صارمة على أي تحركات بين أربيل وقسد، خاصة فيما يتعلق بالتجارة العسكرية والتنسيق الأمني. و لا بد من إعادة التفاوض حول ملف الحدود بين بغداد وأربيل، لمنع تحول المناطق الكردية إلى قاعدة لوجستية لإسرائيل.
كما يجب فرض مراقبة مشددة على النشاط الدبلوماسي والتجاري الإسرائيلي في كردستان، ومنع أي تحركات تصب في مصلحة تل أبيب.

3. بناء تحالف إقليمي لمواجهة ممر داود
يتطلب التصدي للتمدد الإسرائيلي في المنطقة تعزيز التعاون الأمني بين العراق وسوريا وإيران من خلال تشكيل غرفة عمليات مشتركة تضمن مراقبة التحركات الإسرائيلية والكردية في المناطق الحدودية، والتعامل معها بفاعلية ضمن إطار أمني موحد.

وفي هذا السياق، يمكن جذب الدعم الروسي من خلال الضغط على موسكو لاتخاذ موقف أكثر حزمًا تجاه الوجود الإسرائيلي في سوريا، والانتقال من سياسة الصمت الاستراتيجي إلى موقف أكثر وضوحًا يحد من التوسع الإسرائيلي ويعيد التوازن للمشهد الإقليمي.

كما أن التنسيق مع تركيا يشكل عنصرًا حيويًا في هذه المعادلة، حيث ترى أنقرة في الأكراد تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي، مما يجعل من الممكن توحيد الجهود لمنع إسرائيل من استخدام قسد كأداة لتعزيز نفوذها في المنطقة.

4. تحريك الملف دبلوماسيًا على المستوى العربي والدولي
يتعين على بغداد التحرك دبلوماسيًا لفضح المخططات الإسرائيلية في المحافل الدولية، وتسليط الضوء على أن التمدد الإسرائيلي في شرق سوريا والعراق لا يشكل تهديدًا للعراق فحسب، بل يمثل خطرًا استراتيجيًا على الأمن القومي العربي بأسره، خاصة على دول مثل سوريا ولبنان والأردن ومصر والسعودية. فالتغلغل الإسرائيلي في المنطقة يعزز من الاضطرابات الأمنية ويعيد تشكيل موازين القوى بطرق قد تؤدي إلى تصاعد النزاعات وخلق واقع جيوسياسي جديد يخدم مصالح تل أبيب على حساب الاستقرار الإقليمي.

وفي هذا الإطار، ينبغي على العراق فتح قنوات تواصل نشطة مع الدول الأوروبية التي لا تتبنى بالضرورة جميع التحركات الإسرائيلية، والعمل على إقناعها بعدم دعم المشاريع الإسرائيلية – الكردية في سوريا والعراق، لما لها من تداعيات على استقرار المنطقة وإعادة تشكيل خرائط النفوذ فيها، بما يخدم أجندات لا تتماشى مع المصالح العربية والإقليمية.

5. دعم القوات العشائرية في المناطق الحدودية
في إطار تعزيز الأمن القومي العراقي ومواجهة التهديدات الناجمة عن التمدد الإسرائيلي – الكردي، يصبح من الضروري تشكيل قوة عشائرية محلية من أبناء المناطق الغربية، تكون مسؤولة عن رصد ومواجهة أي محاولات تسلل إسرائيلية – كردية إلى العمق العراقي. إن توظيف أبناء العشائر في هذه المهمة يمنح العراق ميزة استخباراتية فاعلة، نظرًا لمعرفتهم الجغرافية والقبلية العميقة بتلك المناطق، مما يجعلهم قادرين على كشف أي تحركات مشبوهة وعرقلتها بفعالية.

إلى جانب الإجراءات العسكرية والأمنية، يجب أن تدرك العشائر السنية في غرب العراق أن التمدد الإسرائيلي لن يكون في صالحهم مهما كانت الوعود المقدمة، سواء بتأسيس إقليم سُنّي مستقل أو بمساعدتهم في مواجهة النفوذ الشيعي. فالتجربة التاريخية أثبتت أن إسرائيل لم تفِ يومًا بوعودها تجاه الدول أو الجماعات العربية، بل استخدمتها كأدوات مؤقتة لتحقيق مصالحها ثم قامت بذبحها بمجرد انتهاء الحاجة إليها. والأمثلة على ذلك عديدة:

• التخلي عن حلفاء جنوب لبنان: خلال الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان، دعمت إسرائيل “جيش لبنان الجنوبي” بقيادة أنطوان لحد، ووعدتهم بالحماية والاستقلالية، لكن عندما اضطرت إسرائيل للانسحاب عام 2000، تركت حلفاءها يواجهون مصيرهم أمام حزب الله، دون أي دعم أو تنفيذ لوعودها السابقة.

• استغلال الكتائب اللبنانية في الحرب الأهلية اللبنانية: حيث سعت إسرائيل إلى تحالف مع بعض الأحزاب المسيحية في لبنان، لكنها لم تحقق لهم أي مكاسب استراتيجية، بل زجت بهم في معارك دموية ثم تخلت عنهم عندما تغيرت الحسابات الإقليمية.

• خداع الفلسطينيين في اتفاقيات أوسلو: حيث وعدت إسرائيل السلطة الفلسطينية بمنحها دولة مستقلة، لكنها استمرت في توسيع المستوطنات وعرقلة أي حل سياسي، ما أدى إلى انهيار الاتفاق عمليًا وبقاء الفلسطينيين في وضع أسوأ مما كانوا عليه.

• استغلال الأكراد في شمال العراق: حيث قامت إسرائيل في مراحل متعددة بدعم بعض الفصائل الكردية سرًا، لكن هذا الدعم لم يكن يهدف إلى منح الأكراد حقوقهم، بل لاستخدامهم كورقة ضغط ضد بغداد، ثم التخلي عنهم عند انتفاء الحاجة إليهم.

• منذ تأسيسها، كانت إسرائيل تتخذ من المجتمعات السُنيّة في المنطقة وقودًا لمشاريعها التوسعية، مستخدمة وعودًا زائفة لإثارة الانقسامات، لكنها لم تتردد في استهدافهم وإلحاق أكبر الأضرار بهم. فمن النكبة الفلسطينية التي شُرّد فيها الملايين من اللاجئين السنّة، إلى دعم الاحتلال الأمريكي للعراق وما تبعه من صعود الطائفية والفوضى، إلى استغلال النزاعات داخل سوريا وليبيا واليمن، نجد أن الشعوب السنية في العالم العربي كانت في مقدمة الضحايا لمشاريع تل أبيب التوسعية.

وبالتالي، فإن أي وعود إسرائيلية للعشائر الغربية في العراق، سواء بتمكينهم من حكم مستقل أو بحمايتهم من النفوذ الشيعي، ليست سوى خدعة جديدة لإيجاد موطئ قدم استراتيجي في العمق العراقي، ومن ثم التخلي عنهم لاحقًا أو ذبحهم مباشرة عند تغير المعادلات الجيوسياسية. لذلك، يجب أن يعي أبناء العشائر هذه الحقيقة جيدًا، وأن يدركوا أن إسرائيل ليست حليفًا، بل قوة توسعية تبحث عن مصالحها فقط، دون أي اعتبار لما قد يلحق بحلفائها المؤقتين من دمار أو عزلة سياسية.

ثالثًا: احتمالات نجاح العراق في وقف التمدد الإسرائيلي

رغم تعقيد المشهد، إلا أن العراق يمتلك أوراق قوة تمنحه القدرة على وقف هذا المشروع، إذا تحرك بشكل استباقي. لكن إذا تأخرت بغداد في اتخاذ إجراءات حاسمة، فقد تجد نفسها أمام واقع جديد تتحكم فيه إسرائيل وقسد بالممر البري، مما قد يجعل العراق محاصرًا استراتيجيًا بين النفوذ الإسرائيلي في الغرب، والضغط الأمريكي في الشمال، والنفوذ الإيراني في الجنوب.

إن العراق اليوم يقف عند مفترق طرق حاسم يفرض عليه اتخاذ موقف حازم تجاه التمدد الإسرائيلي – الكردي الذي يهدد وحدته الوطنية وأمنه القومي. إننا نؤكد أن السيادة الوطنية العراقية خط أحمر لا يمكن المساس به، وأن أي محاولات لفرض واقع جديد على حدود العراق أو انتهاك أمنه القومي لن تُواجَه إلا بالحزم والرد الحاسم.
لقد أثبتت التجارب أن الكيان الصهيوني والقوى الاستعمارية الغربية لم يكن لها يومًا أي اعتبار للمصالح الوطنية العراقية، بل كانت ولا تزال تسعى لتحقيق مصالحها الخاصة، سواء كانت اقتصادية أو أمنية أو عسكرية أو استراتيجية طويلة الأمد، دون أدنى اكتراث بسيادة العراق وحقوق شعبه.

منذ الأيام الأولى لسقوط الدولة العثمانية وإنشاء العراق الحديث، لم تتوقف المؤامرات الغربية والصهيونية على هذا البلد، فقد كان العراق دائمًا مستهدفًا بالمخططات الاستعمارية، بدءًا من الوصاية البريطانية، ومرورًا بدعم الأنظمة الاستبدادية ثم الانقلابات الدموية، ووصولًا إلى التدخلات العسكرية المباشرة ونهب مقدراته وثرواته.

وها نحن اليوم نشهد فصلاً جديدًا من هذه المخططات، عبر مشروع “ممر داود”، الذي تسعى إسرائيل لتثبيته بغطاء دولي، عبر استغلال بعض القوى المحلية والإقليمية لخلق ممر بري يربطها بشرق سوريا والعراق، ليكون بوابة جديدة لنفوذها التوسعي.

ختامًا:
إن المرحلة القادمة تتطلب من القيادة العراقية اتخاذ قرارات استراتيجية حاسمة لحماية العراق من مخططات التمدد الإسرائيلي، وتعزيز قدراته الأمنية والدبلوماسية، ورفع الوعي الداخلي لمواجهة أي محاولات لاختراق النسيج الوطني العراقي. العراق يمتلك الأدوات والإمكانات لفرض معادلته الخاصة، لكنه بحاجة إلى وحدة القرار السياسي، وتحرك سريع وفعّال لمواجهة التحديات القادمة.