الخميس - 11 يونيو 2026

لا تتوهم يا نتنياهو غيرت الشرق الاوسط مادامت عمليات محور المقاومة مستمرة..!

منذ سنة واحدة
الخميس - 11 يونيو 2026

أ. د. جاسم يونس الحريري ||

بروفيسور العلوم السياسية والعلاقات الدولية
jasimunis@gmail.com

 

عقب اندلاع معركة ((طوفان الأقصى)) قبل عام أطلق رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو تهديده بتغيير وجه الشرق الأوسط كانتقام مما حدث لكيانه الغاصب يوم 7 تشرين أول/ أكتوبر 2023، وهو التهديد الذي كرره نتنياهو مرات عديدة منها يوم الجمعة الموافق 27 أيلول/ سبتمبر 2024في كلمته أمام الأمم المتحدة.

في تلك الكلمة لوح نتنياهو بخارطتين لدول الشرق الأوسط، تضم إحداهما بعض الدول العربية مظللة باللون الأخضر، وهي إلى جانب كيانه؛ السعودية والإمارات ومصر والسودان والأردن والهند، واصفا هذه الخريطة بأنها ((خريطة النعمة))،

وهي الدول التي يعتبرها حليفة لكيانه، بينما تضم الثانية والمظللة باللون الأسود كلا من سوريا والعراق ولبنان واليمن وإيران، واصفا إياها ب ((دول اللعنة))، وهي المعادية لكيانه، وكلتا الخريطتين بدون فلسطين (لا دولة مستقلة ولا حتى سلطة حكم ذاتي) تمثلان الشرق الأوسط الجديد (بأخياره ، وأشراره) الذي يحلم به نتنياهو، وتعهد بتحويله إلى واقع.

وفي تطور جديد نقل موقع “jewishpress” يوم الاحد الموافق 16/12/2024عن نتنياهو قوله إنه “قبل عام قلت إننا سنغير الشرق الأوسط، وها نحن نغيره بالفعل، فسوريا ليست سوريا نفسها، ولبنان ليس لبنان نفسه، وغزة ليست غزة نفسها، ورأس المحور إيران، ليست إيران نفسها”، على حد تعبيره.

وأكد نتنياهو، الأسبوع الماضي، أن بلاده “تغيّر الشرق الأوسط” كما وعد، مشددًا على أن “هضبة الجولان ستبقى إلى الأبد جزءا لا يتجزأ من إسرائيل”، بحسب قوله. وقال نتنياهو، في كلمة له، إن “إسرائيل سيطرت على قمة جبل الشيخ السورية والمنطقة العازلة في الجولان”، مضيفا أنه وجّه الجيش “للقيام بكل ما من شأنه منع الإضرار بإسرائيل”. وتابع: “تم فتح فصل جديد في تاريخ الشرق الأوسط، فنظام الأسد انهار بعد 54 عاما من الحكم، والجميع يدرك اليوم الأهمية البالغة لسيطرتنا على هضبة الجولان”.

وتعزز ((إسرائيل)) بنشاط دفاعاتها على مرتفعات الجولان السوري المحتل، وسط سقوط نظام الرئيس السابق بشار الأسد في سوريا، واستيلاء قوات المعارضة المسلحة على جزء كبير من البلاد. حيث سيطرت في 8 ديسمبر/ كانون الأول 2024، مجموعة من المسلحين المنتمين إلى “هيئة تحرير الشام” (جبهة النصرة سابقا والمحظورة في أمريكا وروسيا ودول عدة) على مبنى التلفزيون السوري الرسمي في العاصمة دمشق، وأعلنوا سيطرة الهيئة على البلاد، وسقوط حكم الرئيس السابق بشار الأسد.

تحليل وأستنتاج:-
—————
أن الحديث عن “انتصار إسرائيلي” لتغيير الشرق الاوسط هو مجرد دعاية. وأن تصريحات نتنياهو غير الشرق الاوسط هو محاولة منه لتعزيز شعبيته الداخلية وسط أزماته القضائية، بينما عمليات محورالمقاومة في غزة ولبنان واليمن لا تزال قادرة على تحقيق الإنجازات و قائمة لحد الان .

أن من أسباب أطلاق تصريحاته استمرار جلسات الاستماع في المحاكمة الجنائية له ، حتى مع انطلاق صفارات الإنذار في تل أبيب بسبب هجوم صاروخي باليستي من الحوثيين في اليمن، وفق ما ذكرته صحيفة «تايمز أوف إسرائيل».وتُجرى المحاكمة في قاعة تحت الأرض تعد «مكاناً آمناً ومحمياً»، وهو «امتياز خاص» يهدف إلى مراعاة الحساسية الأمنية الخاصة بنتنياهو، وفق الصحيفة الإسرائيلية.

ورفض نتنياهو اتهامات الفساد الموجهة له في أول إفادة له أمام المحكمة. ونفى الاتهامات الموجهة له بالرشوة والاحتيال وإساءة الأمانة، وبمحاولة السيطرة على وسائل إعلام لتحسين صورته، واستغلال منصبه بشكل غير لائق للحصول على تغطية إعلامية إيجابية له ولعائلته.

أن حديث نتنياهو لا يعني واقعياً اتخاذ إجراءات جديدة لتغيير الهندسة الجغرافية في الأراضي الفلسطينية،لكن يعد بمثابة تلويح بحرب قاسية لاستعادة صورة ((اسرائيل))أمام العالم، وفي إقليمها بالشرق الأوسط.

من أجل إعادة تشكيل الشرق الأوسط، لا يمكن أن يفكر المجرم نتنياهو إلا في تدمير البنية التحتية للمقاومة والداعمين لها، بل سيترجم حديثه إلى نفوذ سياسي وسعي لتوسيع اتفاقيات التطبيع، لتوسيع وتكامل جهود ((إسرائيل)) الدفاعية مع الدول المجاورة.

حلم شرق أوسط جديد، ليس حلم نتنياهو وحده، بل هو حلم كل قادة الكيان المجرم منذ تأسيسه1948، لشعورهم بالعزلة، وسط مجتمع عربي لافظ لهم، كان هدفهم ومسعاهم هو تأسيس إقليم جغرافي جديد ينتسبون إليه، حيث لا يمكنهم الانتساب إلى الوطن العربي، وقد نجحوا مع اللوبيات الداعمة لهم في الغرب في تسويق مصطلح الشرق الأوسط في الخمسينات والستينات من القرن المنصرم ، وانطلت حيلتهم على حكومات المنطقة التي أسست إذاعات أو تلفزيونات أو وكالات أنباء، أو جامعات ومراكز بحثية، أو شركات طيران ونقل، ومقاولات باسم ((الشرق الأوسط))،،

ناهيك عن شركات ومؤسسات أخرى بالاسم ذاته. وكان الهدف هو التغطية على مصطلح ((العالم العربي))، عبر إدخال دول غير عربية ضمن هذا الشرق الأوسط مثل قبرص، تمهيدا لإدخال الكيان الصهيوني لاحقا ضمن هذا المجال.

ربما كانت الخطة الأقرب للتنفيذ لتأسيس شرق أوسط جديد تحقيقا لحلم نتنياهو ومن سبقه من قادة الكيان؛ هي تلك التحركات المتسارعة لفرض مشروع التطبيع أو ((الديانة الإبراهيمية)) 2020على المنطقة العربية، وقد نجحت تلك الخطة في ضم عدة دول عربية لقطار التطبيع، وكانت بانتظار الجائزة الكبرى التي تدشن بها الشرق الجديد وهي انضمام المملكة العربية السعودية لهذا القطار، لكن طوفان الأقصى أحبط تلك التحركات،

وهدم المعبد على رؤوس المهرولين، ليعود نتنياهو لطرح المشروع مجددا مزهوا بما حققه من قتل وتدمير للمساكن والبنية التحتية في غزة ولبنان، ومتوهما أنه أصبح قادرا على فرض مشروعه عسكريا على المنطقة.

أن نتنياهو واهم تماما، فقد يمكنه فرض التطبيع الرسمي على بعض الحكومات الخليجية، لكنه أبدا لن يستطيع أن يفرض تطبيعه ولا خرائطه على شعوب المنطقة التي قاومت التطبيع، وقاومت كل محاولات إدماج الكيان الغاصب بينها.

تعدّ القضية الفلسطينية والقدس قلب الشرق الأوسط وروحه عبر التاريخ، وقد كان وجود ((إسرائيل))أساساً التغيير الأكبر في الشرق الأوسط منذ أكثر من 70 عاماً، وأي تغيير تريده ((إسرائيل)) بالتأكيد لن يكون إيجابياً على استقرار المنطقة، بل على العكس، فالتغيير الحقيقي الذي لا بدّ أن تدفع إليه دول المنطقة هو ردع نتنياهو عن تهديد المنطقة والسعي لقيادتها وإرغامه على إعطاء الفلسطينيين حقوقهم، وإلا لن تشهد المنطقة إلا مزيداً من عدم الاستقرار.