💎جواهر عَلَويَّةٌ: لَوِ اعْتَبَرْتَ بِما أَضَعْتَ مِنْ ماضِيَ عُمْرِكَ لَحَفِظْتَ ما بَقِيَ
السيد بلال وهبي ـ لبنان ||

📢 رُوِيَ عن الإمام علِيَّ (ع) أنه قال: “لَوِ اعْتَبَرْتَ بِما أَضَعْتَ مِنْ ماضِيَ عُمْرِكَ لَحَفِظْتَ ما بَقِيَ”
يدعونا الإمام أمير المؤمنين (ع) في جوهرته الكريمة إلى التأمُّل فيما مضى من أعمارنا التي هي في الحقيقة أغلى ما نملكه، والنظر فيما قضيناها فيه من أعمال نجني ثمارها في حاضرنا ومستقبلنا، وبعد النظر في هذا وذاك نعمل على استخلاص العبر والدروس منه لنتمكن من استغلال ما تبقى من أعمارنا بفعالية وإيجابية وبصورة أفضل.
لو قمنا قارئي الكريم بالنظر فيما قضيناه من أعمارنا، وأجرينا عملية حسابية دقيقة لوجدنا جزءاً غير يسير منها قد أضعناه، قضيناه في لهو، ولعب، وثرثرة، وتَفَكُّه، وجزء من هذا لعلنا قضيناه فيما يرجع علينا بآثار سلبية، وبعض منه أيضاً قضيناه في الانشغال بالناس فيما قالوا وفيما فعلوا، وفيما اشتروا وفيما باعوا، وجزء منه قضيناه بلا شك في اغتيابهم، أو التَّفَكُّه على أحوالهم، أو النَّيل منهم. نعم كم قضينا أعمارنا في هذا وذاك من أعمال كان يمكننا الاستغناء عنها، بل كان يجب اجتناب بعضها.
إن أعمارنا التي هي رأسمالنا الأهم، هي نحن في الحقيقة فإنما نحن عدد لحظات، كلما مضت لحظة من أعمارنا مضى جزء منا، إن الكثير من أجزائنا هذه خسرناها دون مقابل، ولقد أسرفنا في الخُسران، كانت الأيام والسنون منها تنقضي ونحن سادرون، غافلون، لاهون، مُسَوِّفون، نقول: غداً وبعد غَدٍ نفعل، ونقول: العام المقبل سنفعل، وكأننا نملك زمام العمر، وبيدنا ناصية الزمان، ثم ها نحن قد بَلَغْنا ما بَلَغنا من العمر نلتفت خلفنا فلا نجد من العمر إلا رماداً تذروه الرياح، ولسنا ندري كم بقي لنا من عمر في هذه الحياة.
فضلاً عن ذلك فإن هذه الجوهرة الكريمة تحمل في طيَّاتها معانٍ عديدة تتعلق بأهمية التوبة والمحاسبة الذاتية، والاستفادة من تجارب الماضي، والانتباه إلى الوقت الباقي من العمر ليكون حياة الإنسان مليئة بالأعمال الصالحة والطاعات.
وإليك قارئي تفصيل ذلك بإيجاز:
أولاً: إن في هذه الجوهرة الكريمة دعوة لنا جميعاً للاعتبار بما مَرَّ علينا، فمن ضيّع أوقاتاً كثيرة في اللَّهو واللغو واللعب والمعاصي أو في أمور لا طائل منها، بإمكانه الآن أن يعتبر بما مضى ويتعلَّم من أخطائه كي لا يقع فيها مرة أخرى، ومعلوم أن الاعتبار والتعلُّم من الأخطاء سلوك محمود ويؤدي بالمَرء إلى النضوج الفكري والنفسي والأخلاقي، بل ويساعده في تحسين جودة حياته.
ثانياً: فيها دعوة إلى الاستفادة من الماضي لمصلحة الحاضر والمستقبل، واستثمار ما بقي لنا من أعمارنا فيما يفيدنا في دنيانا وآخرتنا، بالطاعة لله، والعمل الصالح، فالعمر قصير لا يدوم، وإن انقضى جزء كبير منه فإن على الإنسان أن يسعى في أن يكون الجزء المتبقي ذا فائدة عظيمة، وعلى المَرء أن يُجَدِّد إيمانه، ويُخلِص نِيَّتَه، ويتوجه إلى الله طالباً التوبة، ويستغلَّ ما بقي من عمره ليعمل بما يرضي الله.
قال الله تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ”﴿18/ الحشر﴾ ففي هذه الآية الكريمة يدعونا الله سبحانه إلى محاسبة أنفسنا، والتفَكُّر فيما قدّمناه من أعمال فيما مضى من أعمارنا، والغاية منذلك أن نُحسِنَ استغلال ما تبقى من أعمارنا، ويُعَبِّر هذا عن مبدأ الاعتبار بما مضى لضمان حفظ المستقبل.
ويدعونا الله تعالى إلى الاستفادة من الوقت الباقي واغتنامه بالعمل الصالح فيقول: “وَالْعَصْرِ ﴿1﴾ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ ﴿2﴾ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴿3/ العصر﴾.
ويدعونا رسول الله (ص) إلى اغتنام كل مرحلة من مراحل أعمارنا قبل فوات الأوان وذهاب الفُرصة، فيقول: “اغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ: شَبَابَكَ قَبْلَ هَرَمِكَ، وَصِحَّتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ، وَغِنَاكَ قَبْلَ فَقْرِكَ، وَفَرَاغَكَ قَبْلَ شُغْلِكَ، وَحَيَاتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ”
فجر يوم الأحد الواقع في: 27/10/2024 الساعة (04:30)




