وقفة مع آيات القتال وآية لا إكراه في الدين..!
الشيخ حسن عطوان ||

🖋 يقول جلَّ وعلا :
( وَ قاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَ يَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّـهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّـهَ بِما يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ) [ الأنفال : 39 ]
ويقول عزَّ وجلَّ :
( لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ) [ البقرة : 256 ]
🖋 والسؤال هو :
إنَّ مفاد الآية الأولى ومثلها آيات أخرى هو وجوب قتال الكفار ،
بينما مفاد آية ( لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ ) أنّه لا يحق لأحد أنْ يُكره الآخر على الإيمان !
فكيف يُجمع بين هذين المفادين ؟؟
🖋 الجواب :
لكي نتعرف على نظرية القرآن الكريم في قضية ما فلابد أنْ نستقصي الآيات الكريمة التي تتحدث عن القضية مدار البحث ، وبعد الجمع بينها نتوصل الى النظرية القرآنية في تلك القضية .
وللتوصل الى نظرية القرآن في قضية التعامل مع الكفار فلابد أنْ نستعرض الآيات التي تتحدث عن هذا الموضوع .
يقول جلَّ وعلا :
( وَ اقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَ أَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَ الْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَ لا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ * فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّـهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَ قاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَ يَكُونَ الدِّينُ لِلَّـهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ ) [ البقرة : 191 – 193 ] .
ويقول عزّ وجلّ :
( وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ) [ الأنفال : 39 ]
ويقول سبحانه :
( فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَ خُذُوهُمْ وَ احْصُرُوهُمْ وَ اقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تابُوا وَ أَقامُوا الصَّلاةَ وَ آتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّـهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) [ التوبة : 5 ] .
ويقول عزَّ من قائل :
( وَ قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّـهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَ لا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّـهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ) [ البقرة: 214 ]
🖋 وسيقع البحث – إنْ شاء الله – في عدة نقاط :
◀️ الأولى :
في قوله تعالی :
( وَ الْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ ) .
كلمة الفتنة هنا ذات معنی واسع .
إذ قد يُراد بها :
عبادة الأصنام ، بل عموم الشرك .
إسكات صوت الحق والإيمان .
العمل على إعادة المؤمنين الى الكفر .
وسائر ضغوط الأعداء علی المسلمين .
وأمّا شمولها لعموم الشرك فبقرينة قوله عزّ وجلّ : ( وَ يَكُونَ الدِّينُ لِلَّـهِ ) .
🖋 فعبادة الأوثان – وما يترتب عليها من أنحاء الفساد الفردي والاجتماعي – كانت سائدة في مكة المكرمة وما جاورها ، والآية الكريمة تقول للمسلمين : إنّه لا يصح لكم ترك قتال المشركين خوفاً من سفك الدماء ، فإنَّ الشرك والإلحاد أشد مفسدة من القتل .
◀️ النقطة الثانية :
الهدف من الجهاد :
تشير الآيات المتقدمة الی هدفين أساسيين من أهداف الجهاد ، وهما :
◀️ الهدف الأول : هو القضاء علی الشرك ، وتطهير الأرض من معابده ومعتنقيه .
🖋 وهنا لابد من دعوة المشركين للإسلام بالحكمة والموعظة الحسنة أولاً ، وإذا لم يؤدِّ ذلك الى نتيجة فيجب اللجوء الى القوة لتدمير معابد الأوثان ، ومنع المشركين من إعلان هذا الإنحراف والتثقيف له ، بل وقتلهم ، إذا لم يترتب على ذلك مفسدة أكبر .
🖋 وأمّا مبدأ أنَّ الناس أحرار فيما يختارون من دين فهذا يختص بمن يتّبع أحد الأديان السماوية ، فلا يجوز إكراه هؤلاء على تغيير عقيدتهم .
وأمّا الإلحاد أو الشرك فهما ليسا ديناً ولا فكراً بل هما جهل وإنحراف .
🖋 ويلاحظ أنَّ المشركين هم الذين أخرجوا المؤمنين من ديارهم وصبّوا عليهم ألوان الأذی والعذاب ، فحتى لو تركهم المسلمون ، فسيتآمرون عليهم لإستئصالهم أو إستضعافهم ، من هنا وجب ويجب علی المسلمين أنْ يقتلوا المشركين أينما وجدوهم ، وهذا الحكم هو بمثابة دفاع عادل ومقابلة بالمثل ، لأنّهم قاتلوكم وأخرجوكم من مكّة ، وسيفعلون ذلك كلما تمكنوا منه في أي زمان ومكان .
( وَ اقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَ أَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ ) .
◀️ الهدف الثاني : هو إزالة الطاغوت الذي يمنع الناس من إختيار الدين الحق .
فالحكّام الطواغيت يعترضون دائماً علی دعوة الأنبياء ويقفون بوجهها ولا يرضون إلّا بإزالة الدين الإلهي من الوجود .
وبهذا يتّضح أنَّ علی المؤمنين والمتديّنين في الوقت الّذي يعتمدون العقل والمنطق والأخلاق مع الآخرين ، عليهم أنْ يتصدّوا لمثل هؤلاء الحكّام الطّواغيت ليزيلوا الموانع والعوائق التي يضعها مثل هؤلاء الحكّام في طريق إيمان الناس .
🖋 وعلی هذا الأساس لا يكون الجهاد في الإسلام
لغرض التسلّط علی البلدان ،
ولا لغرض تحصيل الغنائم ،
ولا بهدف تملّك الأسواق للتّجارة
أو السيطرة علی ثروات البلدان الاخری ،
أو من أجل غلبة العنصر القومي علی آخر ،
بل الغاية هي أحد الهدفين المتقدمين .
🖋 وقوله سبحانه : ( وَ قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّـهِ ) يوضّح الهدف الأساس من القتال في المفهوم الإسلامي ، فالحرب ليست للانتقام ولا للعلوّ في الأرض والتزعم ، ولا للاستيلاء علی الأراضي ، ولا للحصول علی الغنائم ، فهذا كلّه مرفوض في نظر الإسلام .
يقول جلَّ وعلا :
( الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّـهِ وَ الَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقاتِلُوا أَوْلِياءَ الشَّيْطانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً ) [ النساء : 76 ] .
🖋 بل حمل السلاح على الآخرين إنّما يصحّ حينما يكون في سبيل الله ، أي في سبيل نشر عقيدة التوحيد ومبادئ العدل وإقتلاع جذور الظلم والفساد والإنحراف .
🖋 وهذه هي الميزة التي تميّز الحروب التي يخوضها الإسلام عن سائر حروب الآخرين ، وهذا الهدف يضع بصماته علی جميع أبعاد الحرب في الإسلام ، ويصبغ كيفيّة الحرب ونوع السلاح والتعامل مع الأسری وأمثال ذلك بصبغة ( في سبيل اللّه ) .
🖋 ويستفاد من الآيات المتقدمة أيضاً أنَّ المدنيين – خاصّة النساء والأطفال – لا يجوز التعرض لهم ، لأنّهم – عادة – لا يقاتلون ولا يحملون السلاح .
🖋 ثمّ توصي الآيات الشريفة بضرورة رعاية العدالة حتّی في ميدان القتال وفي مقابل الأعداء ، اذ تقول :
( وَ لا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّـهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ) .
أجل ، فالحرب في الإسلام للّه وفي سبيل اللّه ، ولا يجوز أنْ يكون في سبيل اللّه ظلم ولا عدوان .
🖋 لذلك يوصي الإسلام برعاية الأصول الأخلاقية في الحرب ، و هو ما تفتقر إليه حروب الآخرين أشدّ الافتقار .
يوصي الإسلام بعدم الاعتداء علی المستسلمين وعلی مَن فقدوا القدرة علی الحرب ، أو لم تكن لديهم القدرة علی الحرب أصلاً كالشيوخ و النساء والأطفال .
بل يحرّم الإسلام قلع شجرة أو تدمير مزرعة ، اذا لم يكن لضرورة مقتضيات الحرب .
فهذا أمير المؤمنين ( عليه السّلام ) يقول لأفراد جيشه قبل الشروع في القتال في صفين :
( لا تقاتلوهم حتّی يبدؤوكم فإنّكم بجهد اللّه علی حجّة ، و ترككم إيّاهم حتّی يبدؤوكم حجّة اخری لكم عليهم ، فإذا كانت الهزيمة بإذن اللّه فلا تقتلوا مدبراً و لا تصيبوا معوراً [ قيل : هو مَن يعتصم منك في الحرب بإظهار عورته لتكف عنه ، وقيل : هو الذي أمكن من نفسه عاجزاً عن حمايتها ، وقيل : هو هنا المريب الذي يُظن أنّه من القوم وأنّه حضر للحرب وليس منهم ، اذ حضر لأمر آخر ] ، ولا تجهزوا علی جريح ، و لا تهيجوا النساء بأذی و إنْ شتمن أعراضكم و سببن أمراءكم ) . [ نهج البلاغة ، الكتب والرسائل ، رقم 14 ]
◀️ النقطة الثالثة :
إنَّ باب التوبة مفتوح دائماً للخاطئين :
( فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّـهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) ،
( فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوانَ إِلَّا عَلَی الظَّالِمِينَ ) .
فلو أنّهم تركوا الشرك وأطفأوا نيران الفتنة والفساد فلا شيء لكم عليهم .
◀️ النقطة الرابعة :
ثم هناك فرع آخر من فروع الجهاد هو الجهاد لحماية المظلومين .
يقول جلّ وعلا :
( وَ ما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّـهِ وَ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَ النِّساءِ وَ الْوِلْدانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُها وَ اجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَ اجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً ) [ النساء : 75 ] .
🖋 و مع الأخذ بنظر الاعتبار عدم وجود قيد أو شرط في الآية أعلاه نفهم من ذلك وجوب الدفاع عن جميع المظلومين والمستضعفين في كلّ مكان وزمان ، من أي دين او مذهب ، كلما كان ذلك ممكناً .
نَعَم لمكان قوله تعالى – على لسان المستضعفين – ( رَبَّنا ) ، فيقيد ذلك الوجوب بخصوص مَن يُذّعنون لربوبيته سبحانه .
◀️ النقطة الخامسة :
ثم أنَّ الإسلام وإنْ كان يدعو الى إحترام حريّة العقيدة .
🖋 لكنّ الإلحاد والشرك ليسا بدين ولا عقيدة و لا يستحقّان الاحترام ، بل هما نوع من الخرافة و الحمق و الانحراف ، ونوع من المرض الفكري والأخلاقي الّذي يجب أنْ يستأصل كلّما أمكن ذلك .
🖋 فمبدأ حريّة العقيدة واحترام أفكار الآخرين إنّما يصدق في مواقع يكون لهذه العقيدة والأفكار علی أقلّ تقدير أساس من الصحّة ، أمّا الانحراف والخرافة والضلال فليست بأشياء تستحق الاحترام ، ولذلك يأمر الإسلام بضرورة اقتلاع جذور الوثنيّة من المجتمع ولو كلّف ذلك خوض الحرب ، و ضرورة هدم آثار الشرك والوثنيّة بالطرق السلميّة أوّلاً ، فإنْ تعذّرت الطرق السلميّة فبالقوّة .
وعليه : فالإسلام يری ضرورة تطهير الأرض من أدران الإلحاد والشرك .
◀️ النقطة السادسة :
أمّا التعامل مع أهل الكتاب :
يقول تعالى : ( قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّـهِ وَ لا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَ لا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّـهُ وَ رَسُولُهُ وَ لا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَ هُمْ صاغِرُونَ ) [ التوبة : 29 ] .
🖋 وما ينبغي التنويه به إبتداءاً هو أنَّ الآية الكريمة وإنْ ذكرت شرط ( الجزية ) من بين شروط الذمة فحسب ، إلّا أنَّ التعبير ب ( وهُمْ صاغِرُونَ ) إشارة إجمالية الى سائر شروط الذمّة ، إذ يستفاد من هذه العبارة بأنّهم حينما يعيشون في محيط إسلامي ، فليس لهم أنْ يوالوا أعداء الإسلام ، ولا يكون لهم إعلام مضاد له ، ولا ينشرون مبادئ دينهم ؛ لأنَّ هذه الأمور تتنافی وروح الخضوع والتسليم للإسلام والتعاون مع المسلمين .
🖋 أمّا كيف أنّهم لا يؤمنون باللّه وباليوم الآخر ، مع أنَّ ظاهرهم أنّهم يؤمنون باللّه ويقرون بالمعاد أيضاً ؟!
و الجواب : لأنَّ إيمانهم مشوب بكثير من الخرافات والأوهام ، ليست هذه المقالة بصدد بيانها .
🖋 وأمّا الجزية التي يجب عليهم دفعها للدولة الإسلامية فهي : عبارة عن مبلغ قليل من المال بحدود وشروط معينة .
وهي مأخوذة لغة من مادة الجزاء .
وإصطلاحاً : هي المال المأخوذ من غير المسلمين الذين يعيشون في ظلّ الحكومة الإسلامية ، وهذه التسمية لأنّها جزاء حفظ أموالهم وأرواحهم .
وبعبارة : هي الضريبة التي تُدفع جزاء الأمن الذي توفره الحكومة الإسلامية للأقليات الدينية .
والصاغر مأخوذ من الصغر ، ومعناه : الموافق على العيش بخضوع .
والمراد من الآية : إنَّ الجزية ينبغي أنْ تُدفع في حال من الخضوع للإسلام .
و بتعبير آخر : هي من جهة أهل الكتاب علامة القبول بالعيش سلمياً ، ومن جهة المسلمين هي عهد للأقلية بأنّهم محترموا الدم والعرض والمال .
🖋 وما ذهب اليه بعض المفسّرين من أنَّ المراد من الجزية في الآية هو تحقير أهل الكتاب وإهانتهم ، فلا يستفاد ذلك من المفهوم اللغوي للكلمة ، ولا ينسجم وروح تعاليم الإسلام السمحة ، ولا ينطبق مع سائر التعاليم التي وصلتنا في شأن معاملة الأقليات الدينية المسالمة .
🖋 فالجزية ليست أكثر من مساهمة أو ضريبة مالية يدفعها أهل الكتاب مقابل ما يجب على الدولة الإسلامية تجاههم .
🖋 فالمسلمون يجب عليهم الدفاع عن كيانهم ومبادئهم ودولتهم ، ولمّا كانت الأقليات في حلٍّ من أمر هذا الدفاع ، فعليهم أنْ يدفعوا شيئاً من المال مقابل الحفاظ علی أمنهم وأمن المجتمع الذي يتمتعون بالحياة في وسطه .
🖋 على أنًَ الجزية لا تؤخذ عن الأطفال والشيوخ والمقعدين والنساء .
🖋 وبناءً علی ذلك فإنَّ مَن يزعم أنَّ الجزية نوع من أنواع حق التسخير ، لم يلتفت إلی روحها وحكمتها وفلسفتها ، وهي أنَّ أهل الكتاب متی دخلوا في أهل الذمة فإنَّ الحكومة الإسلامية يجب عليها أنْ ترعاهم وتحافظ عليهم وتمنع عنهم كل أذی أو سوء .
🖋 فليس على أهل الذمة عند دفعهم الجزية أي تعهد من المساهمة في القتال مع المسلمين ، حتى القتال الدفاعي منه ، فيتّضح أنَّ مسؤولية أهل الذمة إزاء البلدان التي يعيشون فيها أقل بكثير من مسؤولية المسلمين بمراتب ، أي أنّهم يتمتعون بجميع المزايا في الحكومة الإسلامية بدفعهم مبلغاً ضئيلاً ، ويكونون سواء هم والمسلمون ، في حين أنّهم لا يواجهون الأخطار ومشاكل الحرب كالمسلمين .
على أنَّ الجزية لا تعدّ شيئاً لو قورنت بما يدفعه المسلمون للدولة الإسلامية من زكاة وخمس .
والشاهد على حضارية التعامل الإسلامي مع أصحاب الكتاب ، أنّهم ومنذ قرون يعيشون في وسط المجتمعات المسلمة بكل حرية وكرامة ، بينما لم يبق من المسلمين من إسم ولا أثر في الأندلس وهي اسبانيا اليوم وهم قد بنوا هناك حضارة !
◀️ النقطة السابعة :
أمّا المسلم الذي يرتد عن الإسلام فبعد أنْ يُناقش ويُحاوَر في زمن الشبهة ، ومع ذلك يبقى معانداً فحكمه القتل ؛ وذلك لأنّه حينئذٍ يشكل خطراً على بنية المجتمع الإسلامي ، إذ السكوت عنه سيشجع آخرين ولو من جهة رغبتهم بالتسيب وعدم المسؤولية ، ومن حق أي مجتمع أنْ يدافع عن بنيته ، ودفع ما يؤدي الى تفكك نظامه ، ألا ترون أنَّ الأنظمة الغربية – كفرنسا مثلاً – مع ادعائها الديمقراطية تمنع الحجاب بل أي مظهر تعتقد أنّه يتنافى مع علمانيتها ؟!
مع أنَّ المفروض أنَّ الحجاب بما هو خيار شخصي لا يتعارض مع طروحاتهم .
◀️ النقطة الثامنة :
وهي النقطة الإساس التي هي مورد السؤال ، والذي لأجل أنْ يكون واضحاً قدّمتُ النقاط السابقة .
وهي في المراد من قوله جلَّ وعلا :
( لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَ يُؤْمِنْ بِاللَّـهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى لا انْفِصامَ لَها وَ اللَّـهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) [ البقرة : 256 ] ؟؟
الله سبحانه يشير هنا الى أنّه لمّا كان الدين إيماناً قلبياً وقناعة وجدانية ، فلا يمكن أنْ يُفرض بالإكراه والإجبار .
فما لم يقتنع الإنسان وجداناً بالإيمان بأنَّ وراء هذا الكون البديع خالق عظيم ، وأنَّ الحياة لا تنتهي عند حافة القبر ، بل هي بداية للحياة الحقيقية التي إمّا أنْ تكون سعادة أبدية أو شقاء أبدي ، ما لم يؤمن الإنسان وجداناً بذلك ، فلا تستطيع كل قوى الكون إكراهه على مثل هذا الإيمان .
🖋 فالآية المباركة ليست بصدد تشريع أنّه لا يحق لكم إجبار أحد على التدين كما قد يُتوهَم ، إنّما هي بصدد الإخبار عن أنَّ التدين والإيمان الحقيقي لن يحصل بالإكراه والضغط ، إنما ببيانه والبرهنة عليه بالحكمة والموعظة الحسنة .
🖋 وعليه فهذه الآية الكريمة أجنبية عمّا يُستند اليها من قبل كثيرين من أنَّ الناس أحرار فيما يختارون من إلحاد أو شرك أو تدين .
نعم هي رد واضح على مَن يتهمّون الإسلام بأنّه أجبر الآخرين على الإيمان به بالقوّة وبحدّ السيف ، فالآية الكريمة تقول أنَّ الإيمان الصادق لم ولن يتحقق بمثل ذلك .
والله العالم .
عظّم الله أجوركم .
[ حسن عطوان ]
20 / محرم الحرام / 1440 هج .
https://t.me/+dfbSHH50x3c1MjE6




