الخميس - 11 يونيو 2026

تعلموا العربة وعلموها التاس ..!

منذ سنتين
الخميس - 11 يونيو 2026

محمد الجاسم ||

 

(105)
(تَواجَدَ) الطلابُ في قاعةِ الدرسِ!!
كثيرًا ما نسمع ونرى الفعل (تَواجَدَ) في التقارير والأخبار الإعلامية والصحافية، ويَقْصُدُ بها مُنْشِئُها وجودَ أحدٍ أو جمعٍ في المكان المقصود بالخبر، وهذا لَحْنٌ وغلطٌ واضح، لأن الفعل (تَواجَدَ) لاتعني سوى أن المعنيَّ أظهرَ من نفسه (الوَجْدَ)، وهو من التعلُّق الشديد ،أو أحد مراتب الحزن.
قال الشاعر ابنُ الخيّاط:
” لقدْ وَجَدَتْ وَجْدِي الدِّيارُ بأهلِها … ولوْ لمْ تَجِدْ وَجْدِي لما سقِمَتْ سُقْمِي “.
وقال الشاعر عمرُ ابنُ أبي ربيعة:
” وَوَجَدْتُ وَجْداً كَانَ أَهْوَنُهُ … كَأَشَدِّ وَجْدِ الجِنِّ والإنْسِ “.
والصواب أن نقول: وُجِدَ الطلابُ، والفعلُ (وُجِدَ) أي صار إيجادُهُ من العَدَمِ ،مما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ،وأصْلُهُ الماضي المجرَّد الثلاثي (وَجَدَ) فهو مَوْجودٌ،
قال تعالى:
” لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلاً لَّوَلَّوْاْ إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ ” 57 ـ التوبة .
ولعلَّ أصلُ الفعل(وُجِدَ)، من الوجود(ضدّ العَدَم)،الذي أوْجَدَهُ الله تعالى، ولذا قال الشاعر محيي الدين بن عربي :
” إنّ الوجودَ وجودُ ربِّكَ لا تَقُلْ … فيما تراهُ مِنَ الوُجودِ بِرُمَّتِهْ “.

وَرُبَّ قَوْل.. أَنْفَذُ مِنْ صَوْل.

(106)
أثارَ انتباهي ،مرّةً، بيتٌ من قصيدةٍ طويلة رصينة للشاعر جبران خليل جبران، يمتدحُ فيها أستاذًا له:
” وَأُكْبِرُ حَوْلَهُ فِي كُلِّ فَنٍّ … لَفِيفًا مِنْ أَسَاتِذَةٍ فُحُولِ “.
ولم تكن المرة الأخيرة في شعر جبران خليل جبران أن يستخدم (الأساتذة)، فقد كرَّرها في بيته:
” أَساتِذَةَ المَطَامِعِ مَا ذَكَرْتُمْ … هُوَ النَّامُوسُ يَقْدُمُ وَهْوَ نَامِ “.
ولم أستَسِغْ جمْعَ (أُستاذ) بكلمة (أساتِذَة) كما رأينا، رغم أنها كلمة غير عربية بالأصل،وربما هي كلمة (أستاد) الفارسية،وقد يكون لهذا الجمعِ تأويلٌ من قِبَلِ بعضهم، لكنَّهُ لايقوم له دليلٌ مُقْنِع. إن هذا الجمعَ مغلوطٌ حتمًا، وبعد جهدٍ بحثيٍّ يسير، ومطابقة الأوزان الصرفية للكلمة، علمتُ أن وزنَ (أُستاذ) لابُدَّ (فُعلال)، وجمعها (فَعاليل)، كقولنا (قُرْطاس ـ قَراطيس) و (قُرْبان ـ قَرابين) ،وأن الصواب في الجمع أن تكون ( أساتيذ )، كما قال الشاعرُ كُثَيِّرُ عَزَّة:
” إذا حُلَلُ العَصْبِ اليماني أجادَها … أَكُفُّ أساتيذٍ على النَّسْجِ دُرَّبِ ” .
كما سبق وأن اطّلعنا على كتابٍ رصينٍ بعنوان ( أساتيذُ الحوزةِ العلميَّةِ العليا في النجفِ الأشرف)، لِمُؤَلِّفِهِ العلامة الكبير د. محمد حسين علي الصغير(قُدِّسَ سِرُّه).

وَرُبَّ قَوْل.. أَنْفَذُ مِنْ صَوْل.

(107)
أَجِبْ (على / عن) الأسئلةِ الآتية:
يتردَّدُ هذا الطلبُ في الاختبارات المدرسية كثيرًا، ولم ينتبهْ أحدٌ إلى صيغة الطلب بين الغلط والصواب.
الفعل (أجابَ ، يُجيبُ) قد يتعدّى بنفسه،كقوله تعالى:
” وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ” 186 ـ البقرة .
وكقول الشاعر النابغة الشيباني :
” تُجاوِبُ البومُ أصداءً تُجاوِبُها … والذئبُ يعوي بها في عينِهِ حَوَلُ “.
وقد يتعدى بالحرف (عن)، فنقول (أَجِبْ عن الأسئلة الآتية)، ولا نقول (أَجِبْ على الأسئلة الآتية)، لأن (الإجابةَ عن) الأسئلةِ تُفيدُ تحديدَ الإجابةِ المطلوبةِ بعينِها، أما قولُنا (أَجِبْ على الأسئلة الآتية)، فمُجانِبٌ للصواب، لأنَّ (على الأسئلة) تُفيدُ معنى تركِ الأسئلة والإجابة عن غيرها، لما عُرِفَ عن حرف الجر (على) من بين خواصٍّ تسعٍ له، خاصِّيَّةُ المجاوزةِ وتركِ الشيءِ، كما هو معروف.كقول الشاعرالقحيف العقيلي:
” إِذا رَضِيَتْ عليَّ بنو قُشَيرٍ … لعَمرُ اللهِ أَعجَبَني رِضَاها “.

وَرُبَّ قَوْل.. أَنْفَذُ مِنْ صَوْل.

(108)
الرُّؤية..الرُّؤيا..الرِّئيا
يشتبه كثيرون بين مفردتَي (الرُّؤية)، التي هي مصدرُ الفعلِ (رأى)، أي نَظَرَ بالعَيْنِ ،(الرُّؤْيةُ البَصَريّة)، فيقولون: ( رأيتُ هلالَ الشهرِ رُؤْيًا واضحةً) ،وهم بذلك غيرُ مُصيبين، لأنَّ (الرُّؤْيا) هي مصدر للفعل (رأى)، أي رأى في المنام، وهي (الرُّؤْيا المنامية).
قال تعالى:
” إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ ” 4 ـ يوسف .
وقال الشاعر أبو العلاء المعرّي:
” وكأنّما رؤياكَ رؤيا نائمٍ … بالعكسِ، في عُقبَى الزّمانِ تُعَبَّرُ “.
أما الرُّؤْيَةُ البصرية، فكقوله تعالى:
” وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ “105 ـ التوبة .
وثمَّةَ (الرُّؤْيةُ القلبية)، النَّظَرُ بالقَلْبِ (الرأي)، كقوله تعالى:
” إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (6) وَنَرَاهُ قَرِيبًا (7) ” المعارج.
وقال الشاعر البحتري:
” فَلَمْ تَخلُ من فَضْلٍ يُبَلِّغُكَ الّتي … ترومُ، وَمِنْ رَأْيٍ يُرِيكَ المُغَيَّبَا “.
وثمَّةَ أيضًا (الرِّئْيا)، التي وردت في قوله تعالى:
” وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا ” 74 ـ مريم ،
وذهب أغلب المفسرين الى أن (الرِّئْيا) هي اسمُ ما يراه الآخرون، و يبدو على صاحبه من حُسْنِ المنظر والهيئة.

وَرُبَّ قَوْل.. أَنْفَذُ مِنْ صَوْل.