المَقَاصِدُ الضَّائِعَة..في الأغْلاطِ الشَّائِعَة” تَعَلَّمُوا العربيَّةَ، وعلِّموها الناسَ “
إعداد : محمد الجاسم ||
(ناصرية ـ دورتموند / ألمانيا)
تزخرُ لغتُنا العربيةُ المعاصرة بكمٍّ هائلٍ من كلماتٍ دخيلةٍ أو مغلوطةٍ أو محرَّفة ، وبمرورِ الزمنِ والتداولِ اليوميِّ على الألسنِ وفي الكتب الرسميّة والمخاطَبات العامّة ووسائل الإعلام والصِّحافة والرسائل الجامعيّة ومنجزات المبدعين الأدبيّة ويافطات أسماء الدوائر والمحالّ التجارية وعيادات الأطباء وغيرها ، قد تسللت إلى لغتنا خلسة ، حتى صارت من فرط تناقلها واستخدامها شائعةً ومقبولةً لدى القارئ والسامع ، ورسخت في الأذهان ، وانطلت على المتداولين ، إلا لذوي الباصرة النبهة ، والبصيرة الواعية، والتخصص ، فأمست المقاصدُ ضائعة في خضمِّ الأغلاط الشائعة .
لذلك أعددتُ لكم أحبّتي ـ لمناسبة شهر رمضان المبارك ـ ثلاثينَ حلقةً ، لأربعة أعوام متعاقبة ، من سلسلة تصويباتٍ منتخبة ، استكمالاً لعمودي اللغوي الذي واظبت على تحريره مدّةً من الزمن في صحيفة (المصور العربي) ، التي أصدرَتْها جمعيةُ المصوّرين العراقيّين في بغداد أواسطَ ونهايةَ التسعينات من القرن العشرين ، تحت عنوان (إضاءةٌ في التراث).
رمضان العام 1441 الهجري ، مايس2020 ـ رمضان العام 1444 الهجري ، آذار2023
(25)
ـ الطغمة الفاسدة..!
لا أجدُ مُسَوِّغاً كي نقولَ على ثُلَّةٍ فاسدةٍ من البشرِ ـ مثلاً ـ طُغْمَةٌ فاسدة، لأنَّ مفردةَ (طُغْمَة) ليست فصيحة، وقال بعْضُ النحويين أنها (مُوَلَّدَة). الصحيحُ أن نقولَ (الطَّغَامُ الفاسدون)ونعني بها أوغادَ الناسِ، الواحد والجمع فيه سواءٌ، قالَ جرير :
” إذا غَدَرَتْ رَبِيعَة ُ، وَاستَقادوا … لِـطَاغِيَة ٍ دَعَا بَشَـراً طَغَامَا “،
إذن (الطَّغَامُ) هم أَراذلُ الناس و أوغادُهُمْ، والمصدرُ (الطُّغُومَة) أي الدناءَةُ والخِسَّةُ. ويقالُ للواحدِ أيضاً (الطَّغامة).
ـ (خَطَبَ.. يَخْطُبُ)..و..(خَطَبَ.. يَخْطِبُ)..!
حركةُ عينِ الفعلِ (الطاء) في مضارعِ الفعلَيْنِ المذكورَيْن كافيةٌ للتفريقِ بين مَعْنَيَيْهما، ولكي نقطعُ الطريقَ بوجهِ الاشتباهِ، آثرنا التوضيحَ، (خَطَبَ.. يَخْطُبُ) على المِنْبَرِ، أي ألقى (خُطبةً) بضمِّ الخاءِ: بين الناس، في مجلسٍ أو مسجد كخُطْبَةِ الجمعةِ والعيدِ على المنبر، أما (خَطَبَ.. يَخْطِبُ) المرأةَ فتعني عرضَ (الخِطبة) بكسرِ الخاءِ : خِطْبَةُ الرجلِ للمرأةِ بُغيةَ الزواجَ منها.
ـ بالرَّفاهِ والبنين..!
دعاءٌ نُقَدِّمُهُ للتهاني والتبريكات للمتزوجين الجدد، وهذهِ عبارةٌ غيرُ صحيحة لغةً ويَشْتَبِهُ قائلوها بأن (الرَّفاهَ) هو(الرَّفاهَة)، أي رَغَدُ العيْش، وهذا كلُّهُ من غَثِّ الكلام، الصحيحُ أنْ نقولَ الدعاءَ الجميلَ: (بِالرِّفَاءِ والبَنِينَ)، أي بالالتِئَامِ و الاتِّفاقِ وجَمْعِ الشَّمْلِ للعائلة.
ـ الجيشُ المُنْحَلُّ.. الأجهزةُ المُنْحَلَّةُ..!
(انْحَلَّ) فعلٌ ماضٍ على وزنِ (انْفَعَلَ)، وهذا الوزنُ يمثِّلُ رغبةً ذاتيَّةً في الفعل، إراديةً كانت أو طبيعيةً، كقولِنا: (انضمَّ اللاعب الى الفريقِ) و (انْقَشَعَ الغَيْمُ) و (انْشَقَّ القَمَرُ)،
قال تعالى:” اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ” القمر ـ 1.
لكنَّ القولَ السائدَ في مثالِنا (الجيشُ المُنْحَلُّ.. الأجهزةُ المُنْحَلَّةُ)، بصيغة اسمِ الفاعلِ غَلَطٌ واضحٌ، فهما لمْ يَنْحَلّا طواعيةً، برغبَةٍ منهما، بل حَدَثَ حَلُّهُما رغماً عنهما، لأنَّ الفاعلَ في الحَلِّ كانَ غيرَهما. لذا، يكونُ من الصوابِ أنْ نقولَ (الجيشُ المحلولُ.. والأجهِزَةُ المحلولةُ)، بصيغةِ اسمِ المفعول.
ورُبَّ قول.. أنفذُ مِنْ صَوْل.
(26)
ـ الخُطَّةُ الخُمْسِيَّةُ..!
سمعتُ هذا اللفظَ الغريبَ (الخُمْسِيَّةُ) بضمِّ الخاء من فَمِ وزيرٍ عراقيٍّ فاضلٍ، وهذا اللفظُ يعني في الأصلِ النسبةَ الى (الخُمُس)، والصحيحُ أن نقولَ (الخُطَّةُ الخَمْسِيَّةُ )، بفتحِ الخاء، نسبةً الى الرقم (خَمْسٍ أو خَمسَةٍ)، الذي تُعَدُّ بموجبهِ خطةُ الحكومةِ التنمويةُ وإجراءاتُها التي تضعُها لتنفَّذَها في خَمْسِ سنين.
ـ الغَثُّ والسَّمين..!
مَنْ مِنّا لمْ يسمعْ من البعض كلمتَيْ (الغَثّ) وعكسِها (السَّمين) ؟، ويرادُ بالغَثِّ كلُّ ما هَزُلَ قَدْرُهُ وفقدَ قيمَتَه، وفي هذه الحالِ لا ينبغي لنا أن نأتيَ بالسَّمينِ ـ بالسين المشددة ـ قبالتَها للمعاكسة، بل الصحيحُ أن نقولَ (الثَّمين) ـ بالثاء ـ ،وهو كل ما كانَ لهُ ثمنٌ مُحْرَزٌ.. فنقولَ (الغَثُّ والثَّمين)،
كقولِ أبي العلاء المعري :
” فلَو كنتَ بالدُّرّ الثّمينِ مُعوَّضًا … من البُرّ، ما لامَتْ عليه اللّوائِمُ “.
ـ تأسَّسَتْ مدينةُ بغدادَ في العصرِ العباسي..!
تأسَّسَ : فعلٌ ماضٍ يدلُّ على فعلٍ قائمٍ بنفسهِ، وَزْنُهُ (تَفَعَّلَ)، مثل: تَفَرَّسَ، تَعَهَّدَ، تَقَدَّمَ، وهذا لا ينسجِمُ مع تأسيسِ مدينةٍ، المدينةُ لا تتأسسُ لوحدِها أو تقومُ على أسُسِها بنفسِها، بل تحتاجُ الى مؤَسِّس (اسم فاعل)، ولذلك علينا أن نقول ( أُسِّسَتْ) والفعل مبنيٌّ لما لمْ يُسَمَّ فاعلُهُ، بدلَ (تأسَّسَت). ولعل من المفيد أن نذكر مفردة ( المُؤسَّسة ) وجمعها ( المُؤسَّسات )، لأن ثمَّةَ مَنْ قام بتأسيسها، ولم تتأسَّسْ لوحدها.
ـ لَعِبَ دوراً ..!
حينَ نَمْدَحُ أحداً بأنه صاحبُ دورٍ في فعلٍ ما ،نقولُ (لَعِبَ دوراً مُتَمَيِّزًا)، وهذا مجانبٌ للفصاحة في اللغة، لأنَّ فعلَ (لَعِبَ) لازمٌ لا يتعّدى إلى مفعولٍ به (دوراً)، وينطوي على مقصودِ اللهوِ والتسلية،
قال تعالى: ” أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ” يوسف ـ 12.
وإذا جاءَ في بعضِ المواضعِ متعدِّيًا فإنَّهُ لا يتعدّى بنفسِه، بل يتعدّى بحرفِ الجرِّ الباء، (لَعِبَ بالكُرَةِ)،
قال البحتري: ” زَمَنٌ تَلْعَبُ بي أحْداثُهُ … لَعِبَ النَّكْبَاءِ بالرّمْحِ الخَطِلْ “.
وأقربُ وصفٍ للمفهومِ المُرادِ أن نقولَ 🙁 أدّى دوراً)، بدَلَ، (لَعِبَ دوراً).
ورُبَّ قَوْل.. أنفذُ مِنْ صَوْل.
(27)
ـ هل (الرفات) مُذَكَّرٌ ؟
حينَ نقلتُ رُفاتَ أخي الفنان والشاعرالعراقي (أحمد الجاسم) من برلينَ الى النجفِ الأشرفِ في تشرين أول العام2014، كاتَبَني أحدُ أصدقائي الأدباءِ مستفسراً: ” لماذا تقول (الرفات الطاهر)، ولم تقلْ (الرفات الطاهرة)، لأن الرفاتَ مؤنثٌ ؟”، ويبدو أن هذا الاشتباهَ مُتَفَشٍّ في أفهام البعض، فكانَ جوابي كالآتي:ــ
الرُّفاتُ كلُّ ما تَحَطَّمَ وَتَكَسَّرَ وَبَلِيَ، وأصبحَ كالحُطامِ والفُتاتِ. وهو مذّكَّرٌ وليسَ مؤَنَّثاً،
قال أحمد شوقي: ” إنْ ضاقَ ظهرُ الأرضِ عنك فَبَطْنُها … عمّا وراءَكَ من رُفاتٍ أَضْيقِ “،
وقال ابن الروميّ:” هلِ الناس إلا معشرٌ من سلالة ٍ… تعودُ رُفاتاً ثَمَّ أيَّ رفاتِ “.ـ فِكْرٌ رُجْعِيٌّ.. وليسَ رَجْعِيًّا.
صفةُ (رَجْعِيّ) ـ بفتح الراء ـ التي تتكررُ في الخطابِ الإعلامي والسياسي مغلوطةٌ، والصحيحُ هو (رُجْعِيّ) ـ بضَمِّ الرّاء، نسبةً الى (الرُّجْعى)، التي هي الرُّجوع،
قالَ تعالى:” إِنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ الرُّجْعَىٰ ” العلق ـ 8.
وقال ابنُ شِهاب:” حتى متى الرُّجْعَى إلى الغَفَّارِ … وإلى متى التَّسْويفُ بالأعذارِ “.ـ هذا مكانٌ واطِئٌ.. وهذهِ سلعَةٌ واطِئَةُ الثَّمَنِ..
اسمُ فاعل من وطَأَ ووطِئَ بقدميه، والمفعول منهما (موطوء)،
قال الفرزدق :” وَهابَكُمُ ذو الضِّغنِ حِينَ وَطِئْتُمُ … رقابَ الأعادي، وَطْأةَ المُتَثاقِلِ “،
ولا يجوزُ أن نقولَ (مكانٌ واطئٌ) ، بل،(مكانٌ وَطِئٌ)، أي خفيضٌ أو مُنْخَفِضٌ. وإذا قلنا (وَطُؤَ يَوْطُؤُ وَطاءَةً) ، فتعني صارَ وَطِيئاً، أما (واطِئَةُ الثمن) فليست فصيحةً، لأنَّ (الوَاطِئَةُ) ـ كالسابِلَة: المارَّةُ يَطَؤُونَ الأَرضَ بأقدامِهِم، الصحيحُ أن نقولَ : سلعةٌ (مُنْخَفِضَةُ الثَّمَنِ)..أو زهيدَتُه.
ـ هاوي الطوابع.. هواةُ الطوابع..!
هذه العبارةُ ليستْ فقط مغلوطةً، وحَسْب، بل وغريبة أيضاً، لأنَّ (هاوي) اسمُ فاعلٍ من (هَوَى) أي وقعَ أو سقطَ من عَلٍ، فما علاقةُ الواقعِ على الأرضِ بالطوابع؟؟.. الفعل (هوِيَ يَهوَى) ، واسمُ الفاعل منه (هَوٍ) وهي (هَوِيَةٌ) ،والمفعول (مَهْوِيّ). لذا نقولُ: هَوِيُ طوابعٍ، وهؤلاء هَوو طوابع، وهو الهَوِيُ، وهم الهَوُون، ولم يكونوا هَوِين مِن قبْل؛ ولا يجوزُ القولُ: هذا هاوي طوابع، ولا هؤلاء هواة طوابع، ولا هم الهُواة.
ورُبَّ قَوْل.. أنفذُ مِنْ صَوْل.
(28)
ـ ما الفرق بين الكريم.. و.. الجَوَاد؟
يلتبسُ الأمرُ على بعضِنا فيستخدمَ صفةَ (الكريمِ) لمَنْ كانَ سخيًّا في العطاءِ والبذل. وهذا غلطٌ لغويّ شائع، لأن الكريمَ في العربية هو ذو الكرامة والنزاهة من اللُّؤمِ ،وكلُّ عزيزٍ في النفسِ والنَّسَبِ هو كريم.
قالَ تعالى:” وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ “يوسف ـ21،
وإكرامُ المثوى يعني تعزيزَ كرامةِ المقامِ دونَ مسٍّ أو أذى.
قال المتنبي:
” إذا أنتَ أكْرَمتَ الكَريمَ مَلَكْتَهُ … وَإنْ أنْتَ أكْرَمتَ اللّئيمَ تَمَرّدَا “،
وهنا واضحٌ أن الكرمَ ضدَّ اللُّؤْمِ، أي العزَّةُ والكرامة. ولا أثرَ للعطاءِ والسخاءِ الماليِّ أو ما شابَه، فإن هذه المعاني تنطبقُ عليها لفظةُ (الجُود) و (الجَواد).
قال مسلم بن الوليد الأنصاري :
” يجودُ بالنفسِ إنْ ضنَّ الجوادُ بها … والجودُ بالنفسِ أقصى غايةِ الجودِ “،
يجودُ بالنفسِ.. أي يبذُلُها، ونقيضُ الجودِ (الضنُّ)، وهو البُخْل. والفرَسُ (جوادٌ) لأنه يجودُ ما بوسعِه من سرعةٍ في الجَرْيِ.
ـ حاقَ به.. و.. أحاطَ به..!!
قد لا يفرِّقُ البعضُ منّا بينَ الفعلين (حاقَ به ، و ، أحاطَ به)، وبغيةَ دفعِ اللَّبْسِ بينَهما نوضِّحُ بعضاً ممّا وفّقنا الله إلى توضيحِه فنقول، إذا تعدّى الفعلُ (حاقَ) بالباءِ الى مفعولٍ به، فإنَّ معناهُ هنا (حَلَّ به.. ومسَّهُ.. وتلبّسَهُ)، وهذا المعنى يصيبُ الكُنْهَ والفحوى من الداخل،
قال تعالى:” وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ ” فاطرـ 43،
وكقوْلِ الفرزدق:” لمّا رَأَوْا أنّ أمْرَ الله حَاقَ بِهِمْ … وَأنّهُمْ مِثْلُ ضُلاّلٍ مِنَ النَّعَمِ “.
أما الفعلُ (أحاطَ) الذي يتعدَّى بنفسِهِ وبالباء ايضاً، فيعني: دارَ حولَهُ أو تملَّكَهُ أو ضرَبَ حولَـهُ سوراً أو حائطاً أو اهتماماً أو تَمَكُّناً، وكل ذلك يحصل من الخارج، وليس كالفعل (حاق) الذي يؤثر في الداخل.
قال تعالى:
” إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا ” الكهف ـ 29،
و واضحٌ المعنى أنَّه أحاطَ بهم من الخارج.
وكقولِ النابغة الشيباني:
” وقد تَكَنَّفَهُمْ لؤمٌ أحاطَ بهم … كما أحاطَ برأسِ النخلة ِ السَّعَفُ ” .
ورُبَّ قَوْل.. أنفذُ مِنْ صَوْل.




