آش _ماخ/ أعيدوا لنا هيبة شماخنا الجنوبي..!
إنتصار الماهود ||
آش _ ماخ كلمة سومرية، قديمة قدم حضارة بلاد ما بين النهرين، (أرض ميسوبوتيميا)، وتعني الكلمة غطاء الرأس الذي يرتديه الرجال، وهو يرمز للسمو وعلو المكانة، وكان السومريون وملكهم العادل كوديا (2146/2112) ق.م أول من إرتداه.
وللشماخ رموز ونقوش قديمة، لم تتغير حتى يومنا هذا، فلها دلالات ومعاني مستمدة، من الحياة اليومية لسكان بلاد سومر آنذاك، الشماخ عبارة عن قطعة قماش مربعة الشكل، وسطها نقوش متداخلة تشبه شبكة الصيد، وهي ترمز لموسم الخير والتكاثر، وتحيطها بالأطراف الأربعة خطوط متموجة، ترمز لأمواج المياه وفي رواية أخرى، تعتبر تحصينا منيعا ضد الأرواح الشريرة حسب أدبيات السومريين، ويعتبر الكهنة في بلاد سومر، هم أول من خطوا هذه النقوش على غطاء الرأس، كتعويذة حظ وحماية، كما تعتبر رمزا لأحقية المعبد في ثروات البلاد.
ويرتدي العراقيون في الجنوب، الشماخ منذ الاف السنين ولغاية يومنا هذا، وهو بلونيه الأبيض و الأسود لم تتغير ألوانه ولا نقوشه.
أما الشماخ الأحمر وحسب مؤرخين أردنيين، فيعود تأريخه ل 130 عاما خلت فهو صنع خصيصا للجيش الأردني، حيث طلب قائد جيش البادية آنذاك، صنعه بهذا اللون تمييزا عن باقي مواطني المملكة، وهو حديث العهد مقارنة بشماخ سومر.
ويرتبط الشماخ لدينا بدلالات كالشجاعة والكرم والعادات والتقاليد الأصيلة، والأخلاق الجنوبية فهو هوية وإرث مهم، له ماضي مشرّف وحاضر مشرق، تلك بصمة العشائر العراقية الجنوبية وشيوخها، وأنا بالطبع لا أقصد (شيوخ الدمج منهم ).
لقد حاول النظام البعثي في أيام حكم صدام، التقليل من شأن أهل الجنوب بصورة عامة، من خلال تسفيه رمزية زيهم وهويتهم، فمن يرتدي الشماخ الأسود والأبيض، هو شروگي متخلف، همجي فقير ذليل مواطن من الدرجة الدنيا، والكثير من الصفات التي أصبحت ملاصقة لنا، نحن أهل الجنوب وعمل البعث إعلاميا، على تثبيت رمزية الشماخ الأحمر الدخيل، والذي يرمز للحكم البعثي، ” هنا نشوف شكو رفيق إبن رفيق بعثي، لابس سفاري و طاك الشماخ الأحمر، يريد يصير مثل أبو حلا المهيوب الركن، وعلى شنو مهيوب بس لو أفهم چان إرتاحيت، مدري يمكن لأن الوحيد الي ختل بحفرة وطلع منها عدل؟! “.
المهم لنعد لمحور مقالنا، لقد أصبحت رمزية الشماخ الأحمر أقوى من خلال الترويج لها، وتقويتها فكريا وبصريا لدى المواطن العراقي منذ ثمانينات القرن الماضي، وحتى سقوط صنم العوجة في 2003، فالشماخ الأحمر يعني البعث، الحكم، القوة العز والسلطان، مع العلم إن هنالك روايات لمؤرخين عراقيين، ترجح أن الغجر في غرب العراق، كانوا يرتدونه لتمييزهم عن سكان تلك المناطق الذين كانو يرتدون الغترة البيضاء، ”عزا العزاج صابرين صدام چان يدري لو ما يدري بهالمعلومة ، أششش لا تسولفون بيها وتفضحونه “.
المهم أن زمن المقبور ولى دون رجعة، وبدأت حقبة جديدة كنا نتمنى أن تكون مشرقة، ويجب أن يتم تغيير المفاهيم المغلوطة ونعيد لكل شيء حجمه، ونعطي كل ذي حق حقه وإستحقاقه، لكن مع الأسف، فالواقع مغاير لما لمسناه وعشناه، فلازالت وسائل الإعلام البعثية الصفراء، تروج بصورة سلبية ومخزية لرمزية الشماخ الجنوبي، من خلال إظهار من يرتديه، بمظهر المتخلف، الجاهل، القبلي الذي يعنف بناته ويؤذي أسرته، الهمجي الذي لم يحصل على تعليم لائق، الچايچي، عامل الخدمة الحارس الفگر مع، (إحترامي طبعا لكل المهن).
لا أعلم ما الذي يصنعه إعلامنا، وأين دوره في تصحيح تلك الصور الخبيثة، ومحوها من ذاكرة المتلقي، ألا نستطيع أن ننتج عملا مهما ذا دلالات عميقة، و نوجه رسالة تروج لرمزية الجنوب وأهله، وأنهم أهل الحضارة والحرف الأول في العراق، وأصحاب النخوة والغيرة والشرف؟!.
هل نسينا دور الشماخ الجنوبي في تحرير البلد، حين غزته غربان الشر؟!، وهل نسينا تضحيات و دماء الشروگ الجنوبيون من أجل وطنهم؟!.
لقد شاهدت قبل فترة قصيرة، فيلم قصير بعنوان ( جمال )، فكرة وإخراج الصديق مرتضى العامري، رغم قصر مدة العرض الإ أن ما يحمله الفيلم من رسائل مهمة ودلالات صورية، ترسخت في ذهنيّ كلها تشير إلى تضحيات أهل الجنوب، وتم تجسيدها بدقة وكانت كافية ووافية، فبدأت القصة بلف الشماخ الجنوبي على عنق سائق الإسعاف الحشدي، بطل الفيلم وإنتهت بلف الشماخ الجنوبي ذاته، حول الطفل المولود حديثا، إبن المناطق المحررة من دنس داعش، والذي سماه والده تيمناً ببطلنا جمال، ولا أعتقد أن هنالك رسالة أبلغ وأقوى منها.
متى نرى مثل هذا العمل، الذي سيصحح المفاهيم المغلوطة في مجتمعنا، ويجعل أجيالنا تفتخر بالجنوب ورمزيته الأبية، بدلا من التفاخر بشماخ صدام الأحمر، الذي يرمز لحقبة دموية، أذلت وأنهكت العراق وإستنزفته، ”جيل الألفينات تهدوا شوي، واحدكم لاف شماخ صديم ويغني يا كاع ترابج كافوري، وانتم عركة ع الواتس ماعندكم، لو نرجع لزمن صدام لا نت ولا تلفون ذكي إستچنوا شويه حبوبة“،
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم يا عباد الله.




