الجمعة - 12 يونيو 2026
منذ 3 سنوات
الجمعة - 12 يونيو 2026

حمزة مصطفى ||

في عالم الكتب الرسمية للدول التي تحترم الوثيقة والمعلومة والتوجيه والتقرير هناك تصنيف معروف يضعها في تراتبية لايمكن الإعلان عنها أو البوح بها الإ بعد مرور زمن قد يطول أو يقصر أو بين بين. بعض الكتب عادية يمكن أن ترى النور بمجرد التوقيع عليها أو نشرها في “الجريدة الرسمية” مثلما هو شائع في المخاطبات الرسمية. البعض الآخر يجري تصنيفه حسب مقتضيات الأمن القومي خصوصا بالنسبة للدوائر المعنية بالأمن القومي أو الدوائر السيادية. لذلك هناك فرق بين كتاب توجهه وزارة التربية الى المدارس ورياض الأطفال بشأن توزيع الكتب والمناهج أو التلقيح من مرض الحصبة والجدري, وبين توجيهات أمنية أو عسكرية تتعلق بالأمن القومي.
هناك كتب يكتب عليها “سري وشخصي” وهي عبارة عن توجيه من مصدر أعلى الى مصدر أدنى لكنه لايتضمن أسرارا خطيرة يمكن أن تؤثر في حال تسريبه على الأمن القومي لكنها يمكن أن تؤثر على المصداقية حيث أن هناك من لايحترم سياقات عمل الدولة من بين الموظفين كبارهم وصغارهم. وهناك نوع آخر من الكتب والمخاطبات يكتب عليها “سري وشخصي ويفتخ بالذات” وهو مايعني أن الشخص الوحيد المخول فتحه هو المسؤول الأعلى للدائرة فقط. ولكي لا نعمم أو نخلط أوراق نوعية الكتب فحتى هذه التي تصنف كأعلى مستوى من السرية “سري وشخصي ويفتح بالذات” هي الأخرى على نوعين. النوع الأول كتب عادية من حيث درجة السرية لكنها مهمة من حيث حصر المسؤولية وضبط التوجيه وكيفية التعامل بين دوائر الدولة العليا ومستويات العلاقة فيما بينها. النوع الثاني وهو الأخطر الذي يتعلق بقضايا لها صلة بالأمن القومي.
بعد هذه “الجنجلوتية” نأتي الى المفيد. والمفيد المقصود هنا هو ماتسرب مؤخرا من كتاب يتضمن توجيهات عليها من القائد العام للقوات المسلحة بشأن القطعات العسكرية وكيفية إنتشارها وما الى ذلك من توجيهات خصوصا في ظل الأوضاع الحالية شديدة الخطورة في المنطقة. هذا المستوى من الكتب السرية في الوقت الذي لايمكن إدراجه ضمن الوثائق عالية السرية التي تحتاج الى حجب لفترة من الزمن قد تطول مثل بعض الوثائق السرية لعشرات السنين لكنه يبقى يحتفظ بسريته الكاملة على مستوى دوائر صنع القرار ولايجوز تسريبه تحت أي حجة أو ذريعة. حيث أن توجيهات من هذا النوع ترتبط بالفترة الزمنية التي يتضمنها التوجيه والتي قد تستمر أياما أو أسابيع لكن الكشف عنها يعني كشف إستراتيجية التوجه والمسؤولية أمام العدو أو أي طرف لا تريده أن يعرف ماتقوم به من سياسات وتوجيهات. لذلك فإن تسريب هذا الكتاب ناهيك عن كتب أخرى طالما جرى تسريبها لايمكن فهمه من باب الجهل أو أو عدم الدراية بل لايمكن توصيفه الإ بكونه تقصيرا يتطلب محاسبة بأقصى مايمكن من عقوبات. فالكتب السرية يجب أن تبقى سرية وفي عهدة أصحابها أيا كانت مسؤوليتهم وما عدا ذلك فإنه يعني إما جهلا أو تسامحا مقصودا أو تخاذلا وربما خيانة.
فحين تتمكن دول من الحفاظ على سرية كتبها ووثائقها 25 سنة أو 50 سنة أو 75 سنة ونحن لانحافظ على أي كتاب لمدة ربع ساعة فهذا يعني كارثة بكل المقاييس تتطلب إعادة نظر شاملة بمن يتولى مناصب ومسؤوليات في دوائر حساسة يمكن أن يبيع أخطر معلوماتها جهلا أو تجاهلا أو قصدا. وفي كل الأحوال فإن ذلك يعني أن .. سرنا لم يعد في بير.